المقريزي
66
المقفى الكبير
نلتزمه ، ولا ندخل تحته . اذهب إلى غيرنا ! فرحل « 1 » الجوهر وعبد اللّه ، والجوهر الجدّالي يجرّ زمام الجمل بعبد اللّه بن ياسين ، فنظر إليه شيخ كبير السنّ من لمتونة ، فقال : أرأيتم هذا الجمل ؟ لا بدّ أن يكون له في هذه الصحراء شأن يذكر في العالم . وانتهوا إلى جدالة قبيلة الجوهر ، فتكلّم عبد اللّه بن ياسين فيهم وفيمن اتّصل بهم من القبائل . فمنهم من سمع وأطاع ، ومنهم من أعرض وعصى . ثمّ إنّ المخالفين لهم تحيّزوا وتحزّبوا . فقال عبد اللّه بن ياسين للّذين [ 368 ب ] أقبلوا عليه وقبلوا سنّة الإسلام : قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء المخالفين للحقّ ، الذين أنكروا دين الإسلام واستعدّوا لقتالكم . فألّفوا لكم حزبا وأقيموا لكم راية ، وقدّموا عليكم أميرا . فقال الجوهر : أنت الأمير . قال عبد اللّه : لا يمكنني هذا ، إنّما أنا حامل أمانة الشرع وأقصّ عليكم نصوصه ، وأبيّن لكم طريقه ، وأعرّفكم سلوكه ، ولكن كن أنت الأمير ! فقال الجوهر : لو فعلت هذا لتسلّط قبيلي على الناس وعاثوا في الصحراء ، ويكون وزر ذلك عليّ . فقال عبد اللّه بن ياسين : فهذا أبو بكر بن عمر رأس لمتونة وكبيرها يفعل ذلك . فأجاب ، فعقدوا له راية وبايعوه بيعة الإسلام ، وتبعته زمرة من قومه وسمّاه عبد اللّه بن ياسين أمير المسلمين ، وعادوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من أمكن من الطوائف الذين حسن إسلامهم وسمّاهم عبد اللّه « المرابطين » . وتألّبت عليهم أحزاب من الصحراء معاندون ، فحصروهم وهم ما ينيف على ألفي رجل من أهل الشرّ والفساد « 2 » . وتركوهم أيّاما بغير طعام . ثمّ أخرجوهم شيئا بعد شيء وقتلوهم عن آخرهم ، ومن ذلك الوقت دانت لهم أكثر القبائل واستقام خلق كثير . ولمّا ولي الأمر أبو بكر بن عمر استبدّ به دون الجوهر ، فداخل الجوهر الحسد وشرع في فساد الأمر سرّا . فعلم ذلك ، وعقد له مجلسا ، فثبت عليه ما ذكر عنه ، فحكم فيه بأنّه يجب عليه القتل ، لأنّه نكث البيعة وشقّ العصا وهمّ بمحاربة أهل الحقّ . فقال الجوهر : « وأنا أيضا أحبّ لقاء اللّه حتى أرى ما عنده » ، فاغتسل وصلّى ركعتين وتقدّم فضربت عنقه . ثمّ كثرت طائفة المرابطين ، وساروا لقتال الفرنج فقتل عبد اللّه بن ياسين « 3 » ، وذلك في عشر الستّين وأربعمائة . ثمّ جمع أبو بكر بن عمر قبائل السوس حتّى أخذ مدينة سجلماسة ، وولّى عليها يوسف بن تاشفين اللمتونيّ ، من بني عمّه ، وعهد إليه من بعده . فلمّا مات أبو بكر ، خلفه يوسف بن تاشفين ، ودعي بأمير المسلمين . فافتتح بلاد المغرب شرقا وغربا بأيسر سعي ، وبنى مدينة مرّاكش . ثمّ أخذ المعتمد بن عبّاد ملك الأندلس . ثمّ مات « 4 » فقام من بعده ابنه عليّ بن يوسف ، ثمّ إسحاق بن عليّ بن يوسف . وقتل إسحاق سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ، وانقضت دولة الملثّمين التي أقامها الجوهر الجدالي بقيام دولة
--> ( 1 ) في المخطوط : فنزل . ( 2 ) المقريزي يلازم هنا رواية النويريّ ( ت 733 ) 24 / 257 . ( 3 ) في الكامل 9 / 621 : أرادوا العبور إلى الأندلس ليجاهدوا الكفّار ، فخرجوا إلى السوس . والمقريزي يلازم ابن الأثير في دائرة المعارف : قتل سنة 450 في قتال برغواطة . ( 4 ) قتل تاشفين سنة 539 . انظر الزركليّ 1 / 287 .